سيد محمد طنطاوي

304

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

جاءهم ؟ إن أمرهم هذا لهو في غاية الغرابة والعجب . فالمقصود من الآية الكريمة تجهيلهم والتهكم بهم ، ونفى أن يكون عندهم حتى ما يشبه الدليل على صحة ما هم فيه من شرك . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِه يُشْرِكُونَ وقوله - عز وجل - : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِه فَهُمْ بِه مُسْتَمْسِكُونَ . ثم بين لهم - سبحانه - بعد ذلك هوان أمرهم . وتفاهة شأنهم بالنسبة لمن سبقوهم ، فقال : * ( وكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ ، فَكَذَّبُوا رُسُلِي ، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * . والمعشار بمعنى العشر وهو لغة فيه . تقول : عندي عشر دينار ومعشار دينار ، قال أبو حيان : والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع . ومعناهما : العشر والربع . . « 1 » . والضمير في قوله * ( وما بَلَغُوا ) * يعود لكفار مكة ، وقوله : * ( ما آتَيْناهُمْ ) * وفي قوله : * ( فَكَذَّبُوا رُسُلِي ) * يعود إلى الأمم السابقة . والنكير : مصدر كالإنكار ، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل . والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لتكذيب قومك لك ، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم ، وإن قومك لم يبلغوا من القوة والغنى والكثرة . . عشر ما كان عليه سابقوهم ، ولكن لما كذب أولئك السابقون أنبياءهم ، أخذتهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم جميعا . والاستفهام في قوله - تعالى - * ( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * للتهويل . والجملة الكريمة معطوفة على مقدر والمعنى : فحين تمادوا في تكذيب رسلي ، جاءهم إنكاري بالتدمير ، فكيف كان إنكاري عليهم بالتدمير والإهلاك ؟ لقد كان شيئا هائلا فظيعا تركهم في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ، فعلى قومك أن يحذروا من أن يصيبهم مثله . وجعل - سبحانه - التدمير إنكارا ، تنزيلا للفعل منزلة القول ، كما في قول بعضهم : ونشتم بالأفعال لا بالتكلم . ويرى بعضهم أن الضمير في قوله * ( وما بَلَغُوا ) * يعود على الذين من قبلهم ، وفي قوله * ( آتَيْناهُمْ ) * يعود إلى كفار مكة .

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط ج 7 ص 290 .